الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
95
تفسير روح البيان
وسيحون وجيحان وجيحون والنيل لان البحر عند العرب هو الماء الكثير وقال الكاشفي ( سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ) [ هفت درياى ديكر مانند أو ] انتهى فيكون ذكر العدد للتكثير كما لا يخفى وفي الإرشاد اسناد المد إلى الأبحر السبعة دون البحر المحيط مع كونه أعظم منها وأطم لأنها هي المجاورة للجبال ومنابع المياه الجارية وإليها تنصب الأنهار العظام أولا ومنها تنصب إلى البحر المحيط ثانيا . والمعنى يمده الأبحر السبعة مدا لا ينقطع ابدا وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات اللّه ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ اى ما فنيت متعلقات علمه وحكمته ونفدت تلك الأقلام والمداد وقد سبق تحقيقه في أواخر سورة الكهف عند قوله تعالى ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً ) الآية وإيثار جمع القلة في الكلمات للايذان بان ما ذكر لا يفي بالقليل منها فكيف بالكثير وفي التأويلات النجمية اى لوان ما في الأرض من الأشجار أقلام والبحر يصير مدادا وبمقدار ما يقابله ينفق القرطاس ويتكلف الكتاب حتى تنكسر الأقلام وتفنى البحار وتستوفى القراطيس ويفنى عمر الكتاب ما نفدت معاني كلام اللّه تعالى لأن هذه الأشياء وان كثرت فهي متناهية ومعاني كلامه لا تتناهى لأنها قديمة والمحصور لا يفي بما لا حصر له انتهى وقد قصر من جعل الأرض قرطاسا وفي الآية إشارة ظاهرة إلى قدم القرآن فان عدم التناهي من خاصية القديم . وجاء في حق القرآن ( ولا تنقضى عجائبه ) اى لا ينتهى أحد إلى كنه معانيه العجيبة وفوائده الكثيرة وفي الآية إشارة أيضا إلى أن كلمات الحكماء الإلهية وعلومهم لا تنقطع ابدا لأنها من عيون الحكمة كما أن ماء العين لا ينقطع عن عينه وكيف ينقطع وحكمة الحكيم تلقين من رب العالمين وفيض من خزائنه وخزائنه لا تنفد كما دلت عليه الآية ولبعض العارفين تجلى برقىّ يعطى في مقدار طرفة عين من العلوم ما لا نهاية له وإذا كان حاله هذا في جزء يسير من الزمان فما ظنك بحاله في مدة عمره إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شئ حَكِيمٌ لا يخرج عن علمه وحكمته امر فلا تنفد كلماته المؤسسة عليهما . وخاصية الاسم العزيز وجود الغنى والعز صورة ومعنى فمن ذكره أربعين يوما في كل يوم أربعين مرة أغناه اللّه وأعزه فلم يحوجه إلى أحد من خلقه والتقرب بهذا الاسم في التمسك بمعناه وذلك برفع الهمة عن الخلائق وهو عزيز جدا . وخاصية الاسم الحكيم دفع الدواهي وفتح باب الحكمة من أكثر ذكره صرف عنه ما يخشاه من الدواهي وفتح له باب من الحكمة والتقرب بهذا الاسم تعلقا ان تراعى حكمته في الأمور مقدما ما جاء شرعا ثم عادة فتسلم من معارض شرعي وتخلقا أن تكون حكيما والحكمة في حقنا الإصابة في القول والعمل وقد سبق في أول قصة لقمان واعلم أن في خلق البحار والأنهار والجزائر ونحوها حكما ومصالح تدل على عظم ملكه تعالى وسعة سلطانه وليس من بر ولا بحر إلا وفيه خلق من الخلائق يعبد اللّه تعالى على أن الإسكندر وصل إلى جزيرة الحكماء وهي جزيرة عظيمة فرأى بها قوما لباسهم ورق الشجر وبيوتهم كهوف في الصخر والحجر فسألهم مسائل في الحكمة فأجابوا بأحسن جواب وألطف خطاب لما انهم من مظاهر الاسم الحكيم فقال لهم سلوا حوائجكم لتقضى فقالوا له نسألك